ابن ميمون
212
دلالة الحائرين
المقدمة الحادية عشرة [ في ان وجود ما لا نهاية له محال ] هي قولهم : إن وجود ما لا نهاية له محال على اى حال كان . وبيان ذلك أنه قد تبرهن امتناع وجود عظم ما لا نهاية له ، أو وجود أعظام لا نهاية لعددها . وإن كان كل واحد منها متناهي العظم . وبشرط أن تكون هذه الغير متناهية موجودة معا في الزمان . وكذلك وجود علل لا تتناهى ، محال ، أعنى أن يكون شيء علة لأمر ، ولذلك الشيء علة أخرى ، وللعلة علة ، وهكذا إلى لا نهاية حتى تكون متعددات لا نهاية لها موجودة بالفعل سواء كانت أجساما « 2137 » أو مفارقة ؛ لكن بعضها علة لبعض . وهذا هو الترتيب الطبيعي الذاتي الّذي تبرهن امتناع ما لا نهاية له فيه « 2138 » . أما وجود ما لا نهاية له بالقوة أو بالعرض فمنه ما تبرهن وجوده كما تبرهن انقسام العظم إلى لا نهاية بالقوة وانقسام الزمان إلى لا نهاية . ومنه ما فيه موضع نظر ، وهو وجود ما لا نهاية له بالتعاقب وهو الّذي يسمّى ما لا نهاية له بالعرض ، وهو أن يوجد شيء بعد عدم / شيء آخر ؛ وذلك بعد عدم آخر ثالث ، وهكذا إلى لا نهاية . ففي هذا هو النظر العويص جدا . فمن يدّعى أنه قد برهن على قدم العالم يقول : إن الزمان غير متناه ، ولا يلزمه من ذلك محال ، لكون الزمان كلما حصل منه جزء ، عدم قبله جزء آخر . وكذلك تعاقب الأعراض عنده ، على المادة إلى لا نهاية ، ولا يلزمه محال ، لكونها غير موجودة كلها معا ، بل بالتعاقب وهذا ما لم يتبرهن امتناعه . اما المتكلمون فلا فرق عندهم بين ان تقول : إن عظم ما موجود لا نهاية له ، أو تقول : إن الجسم والزمان يقبل القسمة إلى لا نهاية ، ولا فرق عندهم بين وجود أشياء غير متناهية العدد مرتّبة معا . كأنك قلت أشخاص الإنسان الموجودون « 2139 » الآن أو قولك : إن أشياء حصلت في الوجود لا يتناهى عددها . وإن كان عدمت أولا ، كأنك قلت :
--> ( 2137 ) أجساما : ج ، أجسام : ت ( 2138 ) له فيه : ت ، فيه : ن ( 2139 ) الموجودون : ت ، الموجودين : ج